ابن خلدون

452

تاريخ ابن خلدون

أربعين ليلة ثم وافينا مرسى الإسكندرية يوم الفطر ولعشر ليال من جلوس الملك الظاهر على التخت واقتعاد كرسي الملك دون أهله بنى قلاوون وكنا على ترقب ذلك لما كان يؤثر بقاصية البلاد من سموه لذلك وتمهيد له وأقمت بالإسكندرية شهر التهيئة أسباب الحج ولم يقدر عامئذ فانتقلت إلى القاهرة أول ذي القعدة فرأيت حاضرة الدنيا وبستان العالم ومحشر الأمم ومدرج الذر من البشر وإيوان الاسلام وكرسي الملك تلوح القصور والأواوين في جوه وتزهر الخوانق والمدارس والكواكب بآفاقه وتضئ البدور والكواكب من علمائه قد مثل بشاطئ النيل نهر ومدفع مياه السماء يسيقه العلل والنهل سيحه ويجبى إليهم الثمرات والخيرات ثجه ومررت في سكك المدينة تغص بزحام المارة وأسواقها تزخر بالنعم وما زلنا نتحدث بهذا البلد وبعد مداه في العمران واتساع الأحوال ولقد اختلفت عبارات من لقيناه من شيوخنا وأصحابنا حاجهم وتاجرهم في الحديث عنه سألت صاحبنا كبير الجماعة بفاس وكبير العلماء بالمغرب أبا عبد الله المقرى فقلت له كيف هذه القاهرة فقال من لم يرها لم يعرف عز الاسلام وسألت شيخنا أبا العباس بن إدريس كبير العلماء ببجاية مثل ذلك فقال كأنما انطلق أهله من السحاب يشير إلى كثرة أممه وأمنهم العواقب وحضر صاحبنا قاضي العسكر بفاس الفقيه الكاتب أبو القاسم البرجي بمجلس السلطان أبى عنان منصرفه من السفارة عنه إلى ملوك مصر وتأدية رسالته النبوية إلى الضريح الكريم سنة ست وخمسين فسألته عن القاهرة فقال أقول في العبارة عنها على سبيل الاختصار ان الذي يتخيله الانسان فإنما يراه دون الصورة التي تخيلها الخيال عن كل محسوس الا القاهرة فإنها أوسع من كل ما يتخيل فيها فأعجب السلطان والحاضرون لذلك ولما دخلتها أقمت أياما وانثال على طلبة العلم بها يلتمسون الإفادة مع قلة البضاعة ولم يوسعوني عذرا فجلست للتدريس بالجامع الأزهر منها ثم كان الاتصال بالسلطان فأبر مقامي وآنس الغربة ووفر الجراية من صدقاته شأنه مع أهل العلم وانتظرت لحاق أهلي وولدي من تونس وقد صدهم السلطان هنالك عن السفر اغتباطا بعودي إليه فطلبت من السلطان صاحب مصر الشفاعة إليه لتخلية سبيلهم فخاطبه في ذلك ثم هلك بعض المدرسين بمدرسة القمحة بمصر من وقف صلاح الدين بن أيوب فولاني تدريسها مكانه وبينما أنا في ذلك إذ سخط السلطان قاضي المالكية في دولته لبعض النزغات فعز له وهو رابع أربعة بعدد المذاهب يدعى كل منهم قاضي القضاة تمييزا عن الحكام بالنيابة عنهم لاتساع خطة هذا المعمور وما يرتفع من الخصومات في جوانبه وكبير جماعتهم قاضي الشافعية لعموم ولايته في الاعمال شرقا وغربا وبالصعيد والفيوم واستقلاله بالنظر في أموال